روحي الخطيب

بسم الله الرحمن الرحيم، أيها السيدات والسادة
نجتمع اليوم لكي نذكر قضية مقدسة وجهاد شعب وأمة في إنسان بشر، في رجل تمثلت فيه القضية، وتجسد فيه جهاد ذلك الشعب، وصمود تلك الأمة – روحي الخطيب – رحمه الله، روحي الخطيب الذي ذاب اسمه مع الوقت ولم يبق له إلا الاسم الرمز واللقب والشعار، أمين القدس، أو رئيس بلدية القدس.
هذه القضية، هي قضية بيت المقدس التي لا تتغير طبيعتها ولا أصولها ولا حقائقها، رغم تقلبات الزمن في صعود وهبوط، ورغم تغيرات السياسة بين الضعف والقوة، ورغم مواقف البشر بين العزيمة والاستسلام.
بيت المقدس ليست مدينة فسحب مع كل ما في المدينة نفسها من جمال وجلال وهندسة وتاريخ وعلاقات بشرية ومواكب ذكريات يتصل بعضها ببعض كما تتصل دفقات النهر من منبعه إلى مصبه، بيت المقدس هي حقيقة دين، هي رمز الوجود أو العدم لأمة العرب والإسلام، هي باختصار الجواب الحاسم أن تكون تلك الأمة أو لا تكون.
هكذا كانت منذ بناها اليبوسيون العرب واسموها (اورسالم) مدينة السلام وسكنها الكنعانيون العرب، ثم غمرتها أمواج العرب لتغرق الاحتلال العبراني والاحتلال الروماني، والاحتلال الصليبي.
ولكأن قدر هذه المدينة، هذا المسجد الرمز أن تكون مهد الروح، وملتقى الأعصاب لهذه الأمة، أن تدفع ثمن الأفول والانحطاط، وأن تطلع منها الشمس، وينبثق من رباها القدسية اشعة الفجر الجديد.
يحاول قادة إسرائيل بذكاء غبي، وخطط شيطانية، أن يعطلوا سنة الله، وأن يقيدوا القدر ويجمدوا مسيرة التاريخ، بماذا؟ بقرارات يصدرها برلمانهم بأنها عاصمة إسرائيل الأبدية، قرار لا يلزم أحداً سوى الذين كتبوه وأقروه، خطط بتغيير الأرض وتغيير السكان، تغيير السكان بالتهجير القسري للمسيحين والمسلمين العرب على السواء، والاستيطان القسري للغزاة الإسرائيليين الغاصبين، وتغيير الأرض بهدم الأملاك العربية، ومصادرة الأوقاف الإسلامية واحاطة مدينة الجمال والهدوء، والسلام بالقلاع الصخرية الكئيبة السوداء، خلق أمر واقع جديد، حتى يقفوا أمام العالم وعلى شفاهم ابتسامة شيلون المشهورة الصفراء وايديهم في الهواء، ماذا نفعل الآن؟ ما وقع قد وقع، ولا سبيل لتغييره، دعونا نتحاور على أساس الأمر الواقع، والأمر الواقع الذي يتحدثون عنه كما يزعمون ويعلنون، أن القدس لهم عاصمة أبدية موحدة لا تقبل المشاركة أو التقسيم، وما عدا ذلك رتوش وتزييف وأوهام، وشقشقة كلام.
هذا منطق إسرائيل ولا سبيل للمغالطة فيه، أما منطق الحق ومنطق الدين ومنطق التاريخ فشيء آخر.
منطق التاريخ، ومنطق الحق، أن القدس العربية هي مدينة العرب مدينة الإسلام والسلام، وقد كان العرب دائماً وسيظلون أمناء أوفياء لحقوق كل الأديان ومقدسات الإيمان، لأنهم ينطلقون من قواعد رسالة السماء التي جاء بها أخر الانبياء، “قولوا امنا بالله وما أنزل إلينا، وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب الأسباط، وما أوتى موسى وعيسى وما أوتى النبيون من ربهم، لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون” البقرة .136 وهذا المنطق الإنساني العالمي جدير بأن يستوعب منطق التعصب والعنصرية والاحتلال المسلح، ومنطق الشعب المختار دون شعوب الله.
كان روحي الخطيب ابن القدس العربية وأمينها ورئيسها، هو النموذج الحي المتحرك لحقيقة القدس، بكل ما فيها من رفض للأمر الواقع وتمرد عنيد على الباطل المدعوم بقوة السلاح، ووجد في الأردن توأم فلسطين وشقيقتها، ورضع الإيمان بها والوفاء لها، فجعلها مركز نشاطه الدائم الدؤوب، كيف لا؟ وفيها فروع الأصول العربية الراسخة، وحماة العقيدة والإيمان، وفيها قيادة الحسين الأصيلة التي طالما ضحت ولا تزال تضحى من أجل القدس، وطالما بذلت في الأعمار والدعم في كل ميادين العبادة والقضاء والعلم حتى يبقى الكيان العربي سليماً، وحتى يضمن له دواماً فرص العودة الظافرة واستئناف دور القدس، كمدينة للسلام العادل والحوار والعلاقات الطيبة بين جمهور المؤمنين.
لقد طالما كتب وخطب وعقد المؤتمرات وشارك في الندوات في طول العالم وعرضه، وسافر دون كلل أو ملل حتى وهو في أشد حالات الأعيان، وضغوط السن والمرض، يدعو لقضية القدس، ويذكر بمأساتها، ويجمع أهل الضمائر الحية على رفض الظلم والعدوان النازل عليها.
وجدير بتراث روحي الخطيب وذكرياته أن تجمع وتعلن، وتبرز للعيان، حتى تتربى عليها اجيال من روحه ومعدته ترفض الظلم وتعمل لازالته وإن طال المدى، وحتى لا يصبح روحي الخطيب أخر أمناء القدس، ولكن بداية الجسر الذي يعبر اخدود اليأس ومهابط الهزيمة، ويربط الماضي بالمستقبل، ويضع حجر الأساس لسلسلة جديدة من أمناء القدس ورؤساء بلدياتها من العرب والمسلمين، يومئذ تفرح روحه وأرواح المؤمنين معه من الأحياء والأموات، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم.

 http://www.kamelalsharif.com/ui/english/ShowArticle.aspx?ArticleId=170&CatId=23&SubId=40 منقول عن

تعليقات على الصفحة:

Leave a Reply